منتديات ألامل

اهلا بالاخوه الاعضاء الكرام ...
كمانتمنى من الاخوه الزوار المبادره بالتسجيل ليكونو بيننا اخوه اعزاء ..يقدمون لنا بعضا من مساهماتهم لننهض معا وسويا بهذا المنتدى بما فيه مصلحة الجميع وشرف اعلاء الكلمه الطيبه والمعلومه القيمه للاعضاء والزوار على حد سواء ..
واقبلوا احترامي وتقديري لكم .
مع تحيات :
(بوح الروح ).
منتديات ألامل

أستشارات نفسية وعلوم انسانية

المواضيع الأخيرة

» * * * * * * مابين الذَّكر و الرّجل ..
الأربعاء أبريل 01, 2015 8:08 am من طرف بوح الروح

» * * * * * * الحُــــبّ
الأربعاء أبريل 01, 2015 8:06 am من طرف بوح الروح

» * * * * * وبيسألوني ... !!!
الأربعاء أبريل 01, 2015 8:04 am من طرف بوح الروح

» * * * * * * في بلادنا ..
الأربعاء أبريل 01, 2015 7:59 am من طرف بوح الروح

» * * * * * في بلادي ..
الأربعاء أبريل 01, 2015 7:57 am من طرف بوح الروح

» * * * * * * في بلادي ...
الأربعاء أبريل 01, 2015 7:55 am من طرف بوح الروح

» * * * * * * في بلادي ..
الأربعاء أبريل 01, 2015 7:53 am من طرف بوح الروح

» * * * * * قالوا لي ..!!!!!
الأربعاء أبريل 01, 2015 7:51 am من طرف بوح الروح

» * * * * * * مِن غيرتي ..
الأربعاء أبريل 01, 2015 7:49 am من طرف بوح الروح

التبادل الاعلاني


    المدرسة الغشتالتية

    شاطر
    avatar
    بوح الروح
    Admin

    عدد المساهمات : 5999
    تاريخ التسجيل : 18/07/2009
    العمر : 34

    المدرسة الغشتالتية

    مُساهمة  بوح الروح في الأربعاء أبريل 14, 2010 11:59 am

    وغير بعيد عن مدينة ورتسبورغ، وفي الفترة التي تسارعت فيها وتائر الحركة التجريبية في مخبرها، التقت مجموعة صغيرة من الباحثين الشباب في مدينة فرانكفورت بألمانيا عام 1910. وبدأت عملها المشترك الذي قيض له أن يتطور ويصبح أساساً لنظرية سيكولوجية جديدة. هي النظرية الغشتالتية. وهذه التسمية مشتقة من كلمة غشتالت GESTALT الألمانية، التي تعني "الصيغة" أو "الشكل". ولقد ضمت هذه المجموعة كلاً من ماكس ورتايمر MAX WERTHEIMER(1880-1942م) وكورت كوفكا KURT KOFFKA
    (1886-1941م) و ولفانغ كيولر WOLFANG KOHLER(1887-
    1967م). فقد وفد الثلاثة إلى فرانكفورت للعمل في جامعتها بعد أن أتموا دراساتهم العليا وتخرجوا من مدرسة فلسفية وسيكولوجية واحدة. حيث حصل ورتايمر عام 1904 على شهادة الدكتوراه تحت إشراف كولب بعد أن عمل عامين كاملين(1901-1903م) كمساعد لأحد تلاميذ برنتانو المقربين، وهو ك.شتومبف. وتحت الإشراف المباشر لهذا الأخير نال كوفكا وكيولر نفس الشهادة عام 1909. وربما تسلط هذه الإشارة الضوء على أحد أهم العوامل التي كانت وراء انسجام أعضاء هذه المجموعة، والتناسق الكبير الذي اتسمت به أعمالهم.
    اختارت المجموعة الإدراك ليكون موضوعاً لسلسلة من التجارب المخبرية التي تولى ورتايمر الإشراف عليها وشارك فيها كوفكا وكيولر كمفحوصين. وكانت الظاهرة الإدراكية التي أطلق عليها ورتايمر ظاهرة فاي PHI PHENOMEN الحلقة الأولى في تلك السلسلة. ولقد قصد ورتايمر من وراء إخضاع هذه الظاهرة للدراسة التجريبية الإجابة على سؤال حول بنية الصورة أو الشكل الذي يتخذه إدراك الحركات المرئية.
    والحقيقية أن هذه الظاهرة كان قد كشف عنها عالم الفيزيولوجيا البلجيكي بلاتو في بداية القرن التاسع عشر. إذ توصل إلى أن عرض الصور الساكنة بوساطة جهاز خاص* يحدد تعاقبها ويتحكم بسرعة عرضها يحمل المشاهد إلى رؤيتها كأشياء متحركة. وحينما قرر ورتايمر دراسة هذه الظاهرة كان هدفه معرفة الشروط التي تجعل الإنسان يدرك الصور الساكنة وكأنها تتحرك. ولهذا عمد إلى تبسيط مخطط تجاربه إلى الحدود الممكنة. ففي إحداها عرض خطاً عمودياً وآخر ينحرف عن الآخر بزاوية تتراوح بين 20ه و 30ه بفواصل زمنية متفاوتة. ولاحظ أنه عندما يكون الفاصل الزمني أكثر من 1/5 الثانية فإن الخطين يظهران أمام المشاهد منفصلين. وعندما يصل هذا الفاصل إلى أقل من 1/30 من الثانية، فإن المرء يدركهما متطابقين. وفي حالة اقتراب الفاصل الزمني من 1/15 من الثانية فإنهما يبدوان للمشاهد وكأنّهما يتحركان.
    وما من شك في أن ورتايمر كان على دراية كافية بما قيل أو كتب حول إدراك الحركة وتطبيقاتها العملية والفنية. وتلك حقيقة جعلته لا يطمح من خلال بحثه إلى الأصالة، بقدر ما كان يسعى إلى تقديم وصف للظاهرة المدروسة من زاوية سيكولوجية بحتة. ونحن، من جانبنا، سوف لن نتوقف عند هذه النقطة ونحكم على مدى نجاحه في إضفاء ذلك الطابع السيكولوجي الذي أراد على رؤية الحركة. وحسبنا أن نشير، الآن، إلى أن ما فعله ليس سوى محاولة لإبراز شمولية(كلية) ظاهرة الإدراك والتدليل على خطأ تجزئتها وإرجاعها إلى عناصرها الحسية الأولية. وبكلمات أوضح فإن الهدف الأساسي من تجارب ورتايمر يكمن في دحض المذهب الارتباطي الذي كان سائداً في علم النفس آنذاك.
    لقد أ شرنا في أكثر من وضع إلى أن اهتمام الارتباطيين كان منصباً نحو البحث عن مركبات الخبرة الشعورية(الوعي) باعتبار أن هذه الأخيرة تتكون من الخبرات الأقل تعقيداً. فالعمليات والحالات النفسية، من أفكار وتصورات وعواطف وانفعالات، تتشكل نتيجة اتحاد وترابط الإحساسات والاستجابات البسيطة. وعلى ذلك فإن مهمة السيكولوجي –برأي أنصار هذا المذهب- هي تحليل تلك العمليات والحالات المركبة إلى أجزائها والتعرف على قوانين اتحادها وترابطها. وعندما جاء ورتايمر ليؤكد على كلية الإدراك، فإنه كان يعبر عن رفضه القاطع للمدخل التحليلي في تناول الوعي. وبموقفه هذا يكون قد حدد مسار النظرية الغشتالتية. فعليه بنى زعماؤها وأتباعهم آراءهم وأحكامهم فيما يتصل بالنفس ومظاهرها. إن حالات الانفعال، كالفرح والحزن والغضب وسواها، بالنسبة لهم، ليست حاصل جمع التغيرات المحددة التي تطرأ على العينين والشفتين وعضلات الوجه والأسنان والجلد وما إليها، بل هي جميع هذه التغيرات مجتمعة. وأية دراسة تتناول جزئياتها بشكل منفصل كخطوة أولى هي –في رأيهم- دراسة خاطئة. إذ كيف يمكن تصور الفرح، مثلاً، على أنه ترابط بين حركات منفصلة تقوم بها الأعضاء(العينان، الفم، عضلات الوجه.. الخ)؟. وعلى هذا التساؤل يجيب الغشتاليتون بأنه من غير الممكن تعريف الفرح بهذه الطريقة التحليلية. ويرون أن ذلك لا يتم إلا إذا نظرنا إلى جميع هذه الحركات نظرة إجمالية. ولم يقصر الغشتالتيون تطبيق هذا المبدأ على هذه الظواهر فقط، بل أكدوا على صلاحيته في دراسة الأشياء والكائنات بدءاً من الحيوانات الدقيقة وصولاً إلى المجموعة الشمسية، مروراً بعضوية الإنسان وشخصيته ومجتمعه. ووفقاً له تؤلف الكائنات الحية نظاماً كلياً من الخطأ النظر إليها كأجزاء أو أعضاء منفصلة وأجهزة مستقلة، كل منها يؤدي وظيفة معينة، تماماً مثلما هو الحال حين نتحدث عن المنظومة الشمسية من خلال كل كوكب ودوره فيها. وما يقال عن الإنسان كعضوية يصح عليه كشخصية. وفي هذا الصدد يوجه الغشتالتيون انتقاداً عنيفاً إلى النظريات التي درست الشخصية عن طريق تحليلها إلى مجموعة من السمات، ومحاولتها قياس مستوى العلاقة بينها. ويعلنون عجز هذه النظريات عن تقديم وصف واقعي وسليم لهذا الموضوع الهام. لأن نتائج التحليل والقياس تبعد الباحث عن الصورة الحية والدينامية للشخصية، ولا تدله على مكانة كل سمة في تلك الصورة ومساحة موقعها وحجم دورها بالمقارنة مع ما تحتله السمات الأخرى من مواقع وما تلعبه من أدوار.
    لقد تركت التجارب الأولى لمؤسسي المدرسة الغشتالتية ومناقشاتهم لمعطياتها انطباعاً إيجابياً عميقاً لديهم كان له الفضل في تقوية أواصر الصداقة بينهم وتعزيز الاتفاق في مواقفهم إزاء مجمل القضايا السيكولوجية المطروحة. وهذا ما أبرزه كيولر بعد مضي ما يقارب الثلاثين عاماً على تلك الأحداث حين قال: "لقد كنا جميعاً نكن وافر الاحترام للطرائق الدقيقة التي درست بها في ذلك الزمن بعض المعطيات الحسية ووقائع التذكر. ولكننا كنا نحس أيضاً وبشكل قوي جداً أن عملاً بحجم صغير كهذا ليس بمقدوره البتة أن يقدم لنا سيكولوجيا ملائمة للحقائق الإنسانية الواقعية. وكان بعضنا مقتنعاً بأن مؤسسي علم النفس التجريبي لم يكونوا محقين مطلقاً فيما يتعلق بكافة الأشكال العليا للحياة النفسية. وكان الآخرون يظنون أن في أساس العلم الجديد ذاته بعض المقدمات الخفية التي تجعل عملهم عقيماً"(ياروشيفسكي، 1985، 353، 354).
    إن لهذا القول دلالاته الكثيرة. فهو يعبر، أولاً، عن رفض أفراد المجموعة منذ لقاءاتهم الأولى وأعمالهم المبكرة للتفسيرات التي كانت سائدة في علم النفس يومذاك. كما يسلط الضوء، ثانياً، على الجانب الهام الذي كان، في اعتقادهم، سبباً في عقم الدراسات السيكولوجية في تلك الفترة، والمتمثل في الأسس التي أقيمت عليها، وبقاء العمليات العقلية دون تحليل تجريبي دقيق أو إرجاعها إلى الإحساسات البسيطة. ومع أن ورتايمر تلقى تعليمه العالي في مدرسة ورتسبورغ وتخرج منها في تلك السنوات التي شهدت حواراً ساخناً حول التفكير المجرد من كل ما يمت للإحساس أو الصورة بصلة، ومع أنه شارك بنفسه في ذلك الحوار من خلال دراسته للنشاط العقلي، فإنه لم ير في أعمال هذه المدرسة وسيلة صحيحة لبناء العلم الجديد. ولهذا تعرب كلمات كيولر عن تصميم المجموعة على تجاوز الواقع الهش ووضع أسس جديدة لبناء "سيكولوجيا ملائمة للحقائق الإنسانية الواقعية". فقد وجد ورتايمر أن الأساس الأول يتمثل في ظاهرة فاي التي عرضها في مقاله "دراسات تجريبية للحركة المرئية"(1912). وقد استهل مقاله هذا بهجوم عنيف على النظرية الارتباطية أو الذرية السيكولوجية، وحملها مسؤولية الأوضاع السيئة التي آل إليها علم النفس بسبب منطلقاتها الخاطئة. وطرح مفهوم البنية الكلية(الغشتالت) كمعطى أولي لا يستخلص من مجموع أجزائه التي يتركب منها ولا يفسر بها، إذ أن لها، أي للبنية الكلية، -عنده- سمات وقوانين خاصة تختلف تماماً عن سمات تلك الأجزاء.
    وعندما يعلن الغشتالتيون عن ضرورة إصلاح علم النفس، فإنهم كانوا يحتجون على كل ماهو قائم في هذا العلم. ويعني ذلك أن ثورتهم لم تكن ضد البنيوية ونظرتها إلى الوعي باعتباره بناء مشيداً من "القرميد"(الإحساسات) و"الملاط"(الارتباطات) فقط، بل وضد الاتجاه الوظيفي أيضاً. ولعل فيما ذكرناه حتى الآن أكثر من تلميح إلى ذلك. ومع ذلك فإن من واجبنا أن نوضح هذا الجانب من نظريتهم.
    إن أداء هذه المهمة يتطلب منا العودة إلى أعمال الوظيفيين، والتوقف قليلاً عند بعض آرائهم. فقد رأى أ.مينونغ(1853-1920م) وهو أحد الوظيفيين الأولين، وتلميذ برنتانو، أن ما يحدد كلية البنيات الحسية هو فصل الإدراك ذاته وليس مجرد تجمعها أو ترابطها. وبعد مينونغ جاء تلميذه بينوشي الذي اشتغل بتطوير هذه الفكرة وتطبيقها. وبلغ اهتمامه بها وتعصبه لها حداً جعله يحتل، في نظر البعض، موقعاً متميزاً بين أولئك الذين عنوا بها بمن فيهم الغشتالتيون. ويعتبر الحوار الذي جرى بين هيلسون وكوفكا مثالاً طيباً على ما نحن بصدد التأكيد عليه. فعندما قال هيلسون أن بينوشي ومن معه يمثلون الخط الغشتالتي الراديكالي المتشدد لأنهم يرون أن ما يشكل أو يصنع البنية للإدراك يتمثل في العمليات التي تتم على مستوى أعلى من مستوى الإحساس، اعترض كوفكا عليه بحدة قائلاً: "لا. نحن أكثر راديكالية لأننا ننفي تلك العمليات..."(ياروشيفسكي، 1985، 356). وهكذا يرفض الغشتالتيون تلك العناصر الخارجية المتممة التي تنظم التركيب الحسي وتعطيه شكلاً كلياً أو صيغة إجمالية، مؤكدين على أن هذا الشكل وتلك الصيغة هما خاصية ذلك التركيب.
    لقد رفضت الوظيفية فسيفساء عناصر الوعي وقانون ارتباطها الميكانيكي، غير أنها قصرت عن طرح البديل الكامل، واكتفت بالإشارة إلى فاعلية الذات وغائيتها، معتبرة ذلك مقولة علم النفس المركزية. ومع أن الغشتالتيين تتلمذوا على أيدي الوظيفيين وتقبلوا في بداية عهدهم أفكار معلميهم، فقد اكتشفوا بعد مضي بعض الوقت بعص نقائض الاتجاه الوظيفي. وتمشياً مع سنة التطور العلمي وجدوا أنفسهم أمام مهمة تحديد تلك النقائص والعمل على تجاوزها.
    والحال أن السبب الأساسي الذي ترجع إليه وضعية الاتجاه الوظيفي يكمن في أطروحاته الخاطئة لمعضلة الوعي وإخفاقه في اختيار المدخل المناسب لحلها. فمقابل الميكانيكية التي أخضعت تجليات الوعي للتفسيرات الارتباطية جسدت تلك الأطروحات النزعة العضوية التي استمدت أصولها –كما بينا في حينه- من المبادئ التطورية. وبذا ظلت هذه المعضلة المركزية(بالنسبة لعلم النفس على الأقل) تبحث عن طرائق جديدة ومدخل صالح. ومن المنطقي أن يبدأ من يتصدى لمثل هذا المشروع من حيث انتهت الارتباطية والوظيفية، وأن يكون تجاوز التناقض بين ميكانيكية الأولى وعضوية الثانية خطوته الأولى والهامة في الطريق الصحيح. وهذا هو بالضبط ما حاولت الغشتالتية القيام به. فما هو الحل الذي اقترحته هذه المدرسة لإخراج علم النفس من أزمته؟.
    انطلق الغشتالتيون من ضرورة بلورة رؤية جديدة إلى الوعي باعتباره الموضوع الأساسي لعلم النفس. وتمثلت هذه الرؤية عندهم في دراسة هذا الموضوع كواقع نفسي وحيد. فاعتراضهم على المذهب الذري لم يكن سوى مقدمة لإعادة بناء التجربة السيكولوجية كوسيلة تبرز من خلالها البنيات الشكلية أو الصيغ الكلية في الوعي. وقد بدا لهم(لورتايمر خاصة) أن مثل هذا الإنجاز لا يتم إلا بالاستبطان. ولكن أي نوع من الاستبطان؟ هل الاستبطان الذي استخدمه فوندت والذي كان يطالب المفحوص فيه بتقديم تقرير شفهي عن خبرته الداخلية؟ أم استبطان ورتسبورغ الذي يقوم على تجزئة الوعي؟ وجاء الجواب بسيطاً وسريعاً، لا هذا ولا ذاك. فكلاهما عاجز عن بلوغ الهدف. ومادام بالإمكان إيجاد نوع آخر من الاستبطان، فإن الغشتالتيين لم يستسلموا لقاعدة "أهون الشرين" ولم يكن طريقهم إلى نوع أو وجه ثالث من المنهج الاستبطاني صعباً. ولم يتطلب منهم العثور عليه الكثير من المحاولات ومخاطر الأخطاء التي قد تنجرّ عنها. فقد كان لهم من تراث الفلسفة الفنومنولوجية ما يعفيهم من مشقة البحث والصقل والتعديل، ويوفر عليهم الجهد والوقت اللازمين لهذا العمل، ويستجيب لمطلبهم. وما عليهم بالتحديد سوى العودة إلى المنهج الذي اقترحه برنتانو على قاعدة ملاحظاته حول منهج فوندت الاستبطاني الذي وصفه بأنه منهج مصطنع. وقد أطلق برنتانو على منهجه اسم "المنهج الغشتالتي في الاستبطان". ويعتبر هذا المنهج تتويجاً لبحث برنتانو الطويل عن أفضل المسالك للدخول المباشر إلى واقع الحياة النفسية بغناها وتعقيداتها، المبني على الملاحظة المجردة من كل حكم أو تصور مسبق عنها.
    ومما شجع الغشتالتيين على الأخذ بهذا المنهج وزادهم تمسكاً به تلك النتائج التي انتهى إليها فريق من الباحثين الشباب ممن كانوا يزاولون نشاطهم العلمي التجريبي في جامعة غوتينغن تحت إشراف أستاذ علم النفس هـ.إ. ميولر، متسلحين بأفكار هوسرل أستاذ الفلسفة في نفس الجامعة. ومعلوم أن هوسرل هو صاحب فكرة تحويل المنطق(وليس علم النفس) إلى علم يهتم بالكشف عن الظواهر الأساسية واستخلاص قوانين المعرفة. وهي فكرة كانت مقوماً أساسياً من مقومات نظرية برنتانو الذي أكد من خلالها على أن مظاهر الوعي تستحق أن ينظر إليها كمعطى حدسي مباشر. وقد أناط هوسرل إنجاز هذه المهمة باتباع المنهج الفنومنولوجي، اعتقاداً منه بأنه المنهج الوحيد الذي يمد الباحث بأسباب وشروط تفسير الوقائع النفسية تفسيراً خالصاً بمنأى عن "الخلفيات الفكرية أو الأحكام المسبقة"، ومتحرراً من قيود القوالب المبتذلة. ويقضي هذا المنهج بالتجرد عن كل ما يتصل بوجود الإنسان ككائن طبيعي، والاعتماد على ما تقدمه الملاحظة المباشرة والتحليل الحدسي للوعي.
    ومن أبرز هؤلاء الباحثين د.كاتس وإ.روبين اللذين توليا دراسة ظاهرة الإدراك الحسي لسنوات طويلة. فقد أضاف الأول إلى رصيد علم النفس عملين هامين من زاوية الموضوع الذي نعالجه، يحمل الأول اسم "بنية عالم الألوان" والثاني "بنية عالم الإدراكات اللمسية". وخلاصة ما انتهى إليه هذا الباحث هو أن الإدراك(البصري واللمسي) يتسم بالأصالة والكمال وأن ليس ثمة ما يدعو إلى التعبير عنه بتلك المصطلحات التي تدل على مكوناته الحسية البسيطة. ولهذا فمن الموضوعي أن يدرس الشكل لا كأثر بسيط يحدثه المثير، بل كظاهرة مستقلة. كما أشار إلى أن الخاصية الأولى للشكل تتمثل في ثباته وديمومته بصرف النظر عن الشروط المحيطة بإدراكه. فنحن ندرك الأشياء الخارجية كما هي في الظلام الدامس أو الضوء الشديد.
    وبالتزامن مع نشاط كاتس قام زميله الدانماركي روبين بدراسة ما عرف منذئذ في علم النفس بظاهرة "الشكل والخلفية". وتوصل إلى تحديد العديد من الوقائع التي تبرز خاصية ثبات الإدراك التي تحدث عنها كاتس، والبرهان على خطأ الاعتقاد بأن الإدراك يتم نتيجة ائتلاف عدد من الأحاسيس. فالشكل يدرك كموضوع كامل ومغلق وبارز بالنسبة للخلفية التي تنفصل عنه عن طريق محيطه، أي أنه يظهر بارزاً إلى الأمام، بينما تدرك الخلفية وكأنها تقع في الخلف. وهذا ما يلاحظه المرء بجلاء في "الصور الثنائية"، حيث يبدو الرسم أمام ناظريه في إحداها على شكل "مزهرية" تارة و"وجهين متقابلين" تارة أخرى. كما يبدو، في صورة أخرى، أنه يمثل صورة جانبية "لفتاة" طوراً، وصورة "لامرأة عجوز تنظر إلى الأمام والأسفل" طوراً آخر.
    وهكذا استطاع كاتس وروبين أن ينتقلا من الفهم "الذري" للإدراك إلى الفهم الكامل والشامل دون أن يعتبر أي منهما نفسه ممثلاً لمدرسة أو مؤسساً لتيار.
    وتعد أعمال كاتس وروبين واحدة من المقدمات التي اعتمد عليها مؤسسو المدرسة الغشتالتية في صياغة موقفهم تجاه منهج الاستبطان الفنومنولوجي(الغشتالي) وبلورة أفكارهم حول ظاهرة الإدراك.
    ولما كان طموح الغشتالتيين هو إعادة بناء علم النفس على أسس جديدة تجعل منه علماً كسائر العلوم الدقيقة، فقد واصلوا مساعيهم لتثبيت تلك الأسس التي تتوافق مع الاستخدام الفنومنولوجي للاستبطان. وانطلاقاً من اعترافهم بأهمية العلوم الطبيعية، ذهبوا إلى القول بضرورة الاستعانة بقوانينها ومفاهيمها كأدلة قاطعة على صحة قوانين الغشتالت، وفي مقدمتها أولويته. وتجسد ذلك كله على الصعيد التطبيقي بتجميعهم آراء بعض المفكرين والباحثين وتوظيفها في خدمة هدفهم، ومن أبرز الآراء التي اعتمدوا عليها ما قاله ماخ في كتابه "تحليل الخبرة" حول وجود إحساسات بالشكل المكاني(كالشكل الهندسي مثلاً) مستقلة عن الإحساسات البسيطة المنفصلة(كالإحساس باللون والضوء والصوت والرائحة... الخ). وما طرحه بعد ذلك ببضع سنوات العالم الألماني هـ.فون أهرنغلز(1859-1932م) عن "صفة الشكل". فقد زعم أهرنغلز أن هذا المفهوم يعبر عن الصفة الأساسية للظاهرة الإدراكية المركبة التي لا توجد في أي عنصر من العناصر المكونة لها. فإدراك اللوحة الفنية أو أي شكل هندسي هو خبرة مباشرة ومستقلة ومختلفة عن أي إحساس بالألوان والخطوط التي تتألف منها. وإدراك القطعة الموسيقية يحتفظ بصفته حتى ولو أنها عزفت على أكثر من مفتاح، واستدعت إحساسات مختلفة.
    وفي ميدان العلوم الطبيعية، ولاسيما الفيزياء والكيمياء، فإن ثقافة الغشتالتيين العلمية وصلاتهم المباشرة بأهلها، ومشاهيرها هي القوة التي حركتهم باتجاه محاكاتها والأخذ بمعطياتها التي أصدرت الحياة حكمها على صحتها وبرهنت على نجاعتها. فقد كان ورتايمر صديقاً للعالم الفيزيائي المعروف ألبرت أنشتاين. ومن خلال هذه العلاقة قام بإشراكه في تجارب وأجرى معه سلسلة من المقابلات.
    كما تلقى كيولر تعليماً فيزيائياً ورياضياً. ودرس الفيزياء على يد أحد أعلامها الكبار ماكس بلانك، صاحب نظرية الكوانتا. فلا عجب، والحالة هذه، أن يعلن هؤلاء عن إقامة علم النفس وفق النموذج الفيزيائي اعتقاداً منهم بأنه يضمن الارتقاء بدراسة الظاهرة الإدراكية من مستوى الوصف إلى تعيين بعدها المادي والفيزيولوجي.
    وهكذا كان إعجاب الغشتالتيين الكبير بالفيزياء وعزمهم على الاقتداء بها حافزاً لهم لمتابعة تطورات هذا العلم. ومن موقعهم الفكري وعلاقاتهم العلمية كانوا يرصدون نشاط الفيزيائيين ويتعرفون على نتائجه. وكانت وقفتهم أمام نظرية الحقل الكهرومغناطيسي للعالم الفيزيائي ماكسويل أشبه بمن عثر على شيء ظل يبحث عنه طويلاً. حيث وجدوا فيها أحد الأسس التي تجسد مخططهم في الواقع.
    لم يكن اكتشاف الحقل الكهرومغناطيسي حدثاً عادياً في الحقل العلمي. وإنّما كان علامة بارزة على انتقال الفكر العلمي إلى مستوى جديد أكثر تقدماً وتطوراً. فقد ثار على فيزياء نيوتن التي أمدت النظرية الارتباطية في علم النفس بمنطلقات وقواعد علمية. إذ قام أنصار هذه النظرية بتطبيق القوانين الميكانيكية النيوتونية على النفس. وعلى الرغم من اعترافهم بتباين طبيعة الواقعة النفسية والظاهرة الطبيعية، فإنهم أصروا على وجود تشابه بينهما. فالواقعة النفسية تتألف من ذرات تخضع في انفصالها واتحادها لنفس القوانين التي تفسر حركة الأجزاء المادية. ومن هذا المنظور تكون نظرية ماكسويل قد قدمت النموذج الذي يستجيب لطموح الغشتالتيين في إعادة تشكيل المعرفة السيكولوجية. وحينما صمم هؤلاء على توظيف هذا النموذج، كان خطأ الاستخدام المباشر والآلي لقوانين الفيزياء الذي ارتكبه الارتباطيون حاضراً في أذهانهم. فراحوا يبحثون عن أسلوب آخر لإخراج عملهم على نحو ينسجم مع نظرتهم المبدئية إلى الإدراك الكلي. وخلصوا إلى القول بوجود منطقة وسيطية بين الإدراك الكلي والحقل الفيزيائي، تتمثل في الفيزيولوجيا. ولكن أية فيزيولوجيا هذه التي كانوا يقصدونها؟ إنها الفيزيولوجيا التي تنظر إلى النسيج والمسالك العصبية نظرة كلية، أي فيزيولوجيا البنيات(الغشتالتات) الدينامية. وعلى هذا الأساس يصبح الغشتالت مفهوماً جامعاً ومدخلاً عاماً يصلح لدراسة جميع الظواهر الكونية. إنه يحمل تصوراً جديداً لعلاقة الكل والجزء، السبب والنتيجة، العام والخاص.
    ولكن الأنساق والنظم(الغشتالتات) التي يلح الغشتالتيون على تناول الظواهر من خلالها ليست واحدة في كافة الحالات، فمظاهر الوعي، حسب تصورهم، تختلف من حيث أسلوب تشكلها وبنائها عن ظواهر الطبيعة والمجتمع. وقد أشار ورتايمر إلى هذا الاختلاف في دراسته لظاهرة الإدراك، حيث وجد أن بعضاً من أجزاء المادة يعكس الضوء أثناء الفعل الإدراكي البصري على شبكية العين بأشكال متنوعة، الشيء الذي يسبب في تكوين طاقة كهربائية متحركة، يعقبها ظهور أشكال متعددة لصفات المادة لدى إدراكها. وهذا يعني أن الغشتالت الذي يتشكل على شبكية العين لا يتحدد بالمثير الخارجي وحده، أو بفعالية جهاز البصر وحدها، وإنّما هو نتاج العلاقة المتبادلة بينهما. وإن صفاته الخاصة التي تتجلى فيه تختلف عن صفات كل منهما. فالطاقة الكهربائية المتحركة ليست من خصائص المادة أو من مكونات شبكية العين. ويقدم كوفكا وصفاً لمراحل تشكل الغشتالت على النحو التالي:
    - إن ظهور الغشتالت هو نتيجة العلاقة بين الذات والموضوع(أو بين موضوعين "أو أكثر" إذا كان الحديث يدور حول الصيغ والأشكال الطبيعية), وانحلال طرفي(أو أطراف) العلاقة فيه.
    - عند ظهور الغشتالت(الصيغة) تبرز قوى أو قوانين جديدة وتبدأ بتوجيه الأجزاء.
    - تعتبر العمليات الفيزيائية أساس تلك القوى أو القوانين.
    ويرى كوفكا أن هذه القوانين هي صفة جميع الظواهر والحوادث الاجتماعية والطبيعية. فالعمليات التي تجري في طبقات الجو تعد أساساً للأخلاق وفلسفة القيم.
    وفي المراحل اللاحقة دأب الغشتالتيون على اختبار هذه المنطلقات والتدليل على صحتها تجريبياً. فخلال سنوات الحرب العالمية الأولى اضطر كل من ورتايمر وكوفكا للعمل الميداني. حيث درس الأول أساليب الكشف عن الغواصات المعادية، ودرس الثاني مشكلات اضطراب الكلام عند جرحى الحرب في أحد المشافي العسكرية. أما كيولر فقد اقترحت عليه أكاديمية بروسيا للعلوم قبل بداية الحرب بعدة أشهر السفر إلى إحدى جزر الكناري الإسبانية الواقعة في المحيط الأطلسي لإجراء بحوث سيكولوجية عامة. وبعد اندلاع الحرب مباشرة اعتبر كيولر في عداد المعتقلين. ومع ذلك فقد واصل سلسلة تجاربه على الشمبانزي التي خصص كتابه "ذكاء القردة الشبيهة بالإنسان"
    (1917) لعرضها وتحليل معطياتها.
    قام كيولر، في إحدى تجاربه، بوضع الشمبانزي في قفص يتدلى من سقفه قرط من الموز. وكان على الحيوان لكي يصل إلى الموز أن يستخدم عصا موجودة في ركن من أركان القفص(أو يتسلق، في وجه آخر لهذه التجربة، صندوقاً من الخشب ملقى في أحد أركان القفص، أو يتسلق، في وجه ثالث، صندوقين خشبيين متفاوتي الحجم بعد أن يضع الصندوق الصغير فوق الصندوق الكبير، أو أن يقوم بسحب طرف أحد الحبال الذي يتصل بالموز).
    وفي تجربة أخرى كان كيولر يضع الموز على مرأى من الشمبانزي خارج القفص. ولكن الحيوان لا يستطيع الوصول إليه إلا إذا استخدم عصا موجودة على مقربة منه كامتداد ليده، أي أن يستخدمها كأداة. وفيما بعد قام كيولر بتعقيد شروط المشكلة، إذ وضع عصوين في ركن القفص وضمن ساحة إدراك الحيوان. وكان على الحيوان لكي يحصل على الطعام أن يحوّل العصوين إلى عصا(أداة) واحدة بإدخال نتوء يوجد في طرف إحداهما بثقب موجود في طرف الأخرى. لأن استخدام واحدة منهما فقط لا يوصل إلى الهدف.
    ومما لاحظه كيولر عبر تجاربه هذه هو أن القرد يستطيع أن يحل جميع المشكلات التي طرحتها تجاربه. فكيف يتم ذلك؟ يجيب كيولر ومعه كوفكا بأن سلوك الحيوان يقتصر في البداية على تأمل الموز والنظر في الأدوات المقترحة(العصا، الصناديق، الحبال.. الخ) ثم يحول بصره عنها ويلتفت حوله بعض الوقت ليرجع بعدها إلى تأمل الهدف والوسيلة، وهكذا، دون أن يقوم بأي إجراء عملي يذكر. تعقب هذه المرحلة محاولات لتناول الموز من غير اللجوء إلى الوسيلة الخارجية. ولكنه ما إن يخفق في محاولاته الأولى هذه حتى يتوقف عن الفعل الحركي ليستأنف التأمل في شروط المشكلة. وبعد فترة من الزمن يمسك بالعصا ويتوجه نحو الموز(أو يدحرج الصندوق ليضعه تحت الموز ويتسلق عليه، أو يمسك بطرف أحد الحبال ويشده، أو يقترب من الحاجز ممسكاً بالعصا ليمدها خارج القفص عبر القضبان الحديدية) ليحصل في الأخير على هدفه.
    وفي التجربة الأخيرة(ذات المرحلتين) لم يلاحظ كيولر أي جديد في سلوك القرد، باستثناء عدد المحاولات التي قام بها بعد التقاطه للعصا الطويلة(وأحياناً القصيرة)، وعدم تمكنه من الوصول إلى الهدف، الأمر الذي جعله يتراجع قليلاً ليتأمل العصوين من جديد لينتهي به الأمر إلى التقاطهما وإدخالهما بعضهما ببعض وتحويلهما، بالتالي، إلى عصا واحدة طويلة، ثم الإمساك بها ليحصل في النهاية على الموز.
    وهكذا يمر الحيوان(وكذا الإنسان) للخروج من الموقف الإشكالي، في رأي الغشتالتيين، بمرحلتين رئيسيتين:
    المرحلة الأولى: ويقوم خلالها الحيوان بدراسة الموقف والنظر في شروطه، وهو ما يدعى بالاستبصار.
    المرحلة الثانية: وفيها يتوصل الحيوان إلى الحل بصورة مفاجئة. وتشمل هذه المرحلة الجانب الأدائي أو الإجرائي من النشاط الذهني.
    لقد كانت تجارب كيولر خطوة هامة انتقل عبرها الغشتالتيون من دراسة الإدراك إلى دراسة التفكير، دون أن يتخلوا عن القواعد والقوانين التي فسروا بها المستوى الأول لدى تفسيرهم المستوى الثاني. فلئن كان الإدراك ينزع إلى جمع عناصر الموضوع في كل واحد، فإن التفكير، بوصفه نشاطاً موجهاً نحو حل المشكلات والمسائل، لا يحقق مهمته ما لم تقع شروط المسألة ومعطياتها وأهدافها في مستوى واحد مع الإدراك. وبعبارة أخرى فإن التفكير، بالنسبة للغتشالتيين، هو إعادة تنظيم عناصر الموقف، حيث تتخذ فيه هذه العناصر صيغة جديدة أو غشتالتاً جديداً. وهو ما أطلق عليه الغشتالتيون مفهوم الاستبصار.
    وعلى هذا النحو يتبين بوضوح أن الاستبصار هو مفهوم مركزي في نظرية الغشتالت. فقد حظي بنصيب وافر من اهتمام أصحاب هذه النظرية بهدف إبراز مكانته وإيضاح معانيه. فإلى جانب نشاط كيولر التجريبي واستنتاجاته قدم ورتايمر عرضاً مفصلاً للتجارب التي أجراها على تلاميذ المرحلة الابتدائية ولمعطياتها في كتابه "التفكير المبدع" الذي يعد مرجعاً هاماً وإسهاماً كبيراً في تطوير علم النفس الغشتالتي وتطبيقاته التربوية.
    يتناول ورتايمر في مؤلفه المذكور ما جمعه من معطيات تجريبية حول أساليب إعادة تنظيم البنيات المعرفية. فيتحدث عن وجود طريقتين يسلكهما الناس في نشاطهم الذهني، وهما الطريقة الارتباطية، والطريقة التي تعتمد على المنطق الصوري، ويرى أنهما لا تملكان من الخصائص التي تجعل الإنسان قادراً على ابتكار المواقف وإبداع الحلول للمشكلات الجديدة.
    فباتباع الطريقة الأولى يلجأ الإنسان إلى تحليل الموقف الجديد وتجزئته. ويحاول إيجاد روابط بين خبرته الماضية وعناصر هذا الموقف. وبالاعتماد على المنطق الصوري فإنه إمّا أن ينتقل من الحالات الخاصة أو الجزئية إلى المبدأ أو القانون العام. ويتم هذا الانتقال ببطء وتتخلله محاولات وأخطاء كثيرة دون أن يضمن ذلك الوصول إلى نتائج صحيحة في كل الأحوال. وهذا ما يسمى بالاستقراء. وإما أن يتبع اتجاهاً معاكساً، أي من القانون العام إلى تطبيقاته الجزئية أو الخاصة. ولا يسلم الإنسان الذي يستخدم هذه الطريقة من الوقوع في الخطأ ذلك لأن عملية المحاكمة فيها لا تقوم على فهم وتبصر كاملين لكافة عناصر الموقف وشروطه وهدفه.
    وعلى قاعدة هذا الفهم لطرائق التفكير هاجم ورتايمر التعليم القائم وحمله مسؤولية تكوين هذه الطرائق القاصرة لدى التلاميذ، وعجزه عن الارتقاء بنشاطهم الذهني إلى المستوى الذي يجعلهم قادرين على إيجاد صيغة جديدة لعناصر الموقف الإشكالي. وذهب في حملته على التعليم إلى أبعد من ذلك حين أكد على أن التلاميذ الذين يدرسون الهندسة في المدارس بهذه الطرائق يواجهون صعوبات كبيرة في حل المسائل الهندسية التي تستدعي معالجتها استخدام طريقة ابتكارية لا يصادفها أقرانهم ممن لم يتعلموا قط. وتلك نتيجة أمدته بها إحدى تجاربه الميدانية التي أجراها على تلاميذ السنة الخامسة من المدرسة الابتدائية. وملخص هذه التجربة أنه طلب من مفحوصيه حساب مساحة متوازي الأضلاع بعد أن تعرفوا في مرحلة سابقة على قاعدة حساب مساحة المستطيل عن طريق تقسيمه إلى مربعات وضرب عدد المربعات في أحد الصفوف الأفقية في عدد المربعات في أحد الصفوف العمودية. وقد اعترف عدد من أفراد عينة البحث بعدم قدرتهم على حل هذه المسألة "الجديدة". كما اعتمدت إجابات نسبة مرتفعة منهم على النقل الحرفي للقاعدة السابقة إلى الموقف الجديد. ويتحدث ورتايمر عن حالتين فقط من مجموع أفراد العينة تمكنتا من إدراك العلاقة بين المستطيل ومتوازي الأضلاع. ولكنهما، مع ذلك، لم تتمكنا من استخلاص القاعدة المطلوبة(مساحة متوازي الأضلاع = القاعدة × الارتفاع). فقد أعادت هاتان الحالتان تنظيم الموقف الإشكالي. بيد أن الاستبصار الذي كان وراء عملهما لم يرق، حسب تعبير ورتايمر، إلى مستوى الإلمام بكل شروط المشكل بسبب تدخل الخبرة السابقة.
    وهنا يحق لنا أن نلاحظ لدى مقابلة تجارب كيولر بتجربة ورتايمر التقاءهما في عناصر الموقف الجديد وكيفية طرحه واتفاقهما في الشروط والتقنيات علاوة على النتائج. فحل مسألة ورتايمر لا يتم إلا إذا أدرك الطفل علاقة متوازي الأضلاع بالمستطيل عبر تساوي الجزء الزائد من أحد جوانب متوازي الأضلاع والجزء الناقص في الجانب المقابل. وهذا الوضع شبيه بالوضع التجريبي عند كيولر، حيث كان على الشمبانزي أن يدرك العلاقة بين النتوء في إحدى العصوين والثقب في العصا الثانية ليحولها إلى أداة للحصول على الطعام.
    وعلى الرغم من الأصالة التي اتسمت بها تجارب كيولر وبنائها الجيد، إلا أنها لم تسلم من انتقادات العلماء والباحثين. فقد وجد إ.بافلوف أنها تفتقر إلى ضبط المتغيرات. فكيولر لم يتعرف على مستوى خبرة قردته في التعامل مع الوضعيات التي اقترحها عليها قبل الشروع بالتجربة. وينطلق بافلوف في نقده هذا من استحالة حدوث الاستبصار على النحو المفاجئ الذي وصفه كيولر. وبعد فترة من الزمن أثبتت الوقائع التجريبية صحة موقف بافلوف. ففي عام 1945 أجرى عالم النفس الأمريكي هربرت بيرش HERBERT BIRCH تجربة على مجموعة مؤلفة من ستة قرود. وخلالها كان يضع القرد في قفص يوجد خارجه طعام لا يستطيع القرد أن يحصل عليه ما لم يستخدم جاروفاً ملقى في أحد أركان القفص. فتبين له أن قردا ًواحداً فقط في مجموعة القردة تمكن من تقديم حل استبصاري. ويذكر بيرش أن السبب في ذلك يعود إلى خبرة هذا القرد في التعامل مع الأداة المقترحة.
    وعملاً بالمبدأ الذي بنى عليه بافلوف ملاحظته عمد بيرش إلى تكوين الإشراط المناسب لدى القردة، حيث منحها فرصة للعب الحر بالعصي. وفي الموقف التجريبي الذي تلا هذه المرحلة أظهرت القردة جميعاً قدرة على الحل الاستبصاري، مما يدعم الرأي القائل بأن حلاً كهذا لا يتأتى إلا من واقع الخبرة التي يكون الحيوان قد اكتسبها سابقاً في أوضاع شبيهة بالوضع الجديد(مدنيك وآخرون، 1985، 26).
    وبإمكاننا الاستطراد في بسط الأمثلة المؤيدة لوجهة نظر بافلوف التي تشترط ضبط التاريخ الماضي للانعكاسات الشرطية عند المفحوصين. فهي كثيرة ومتنوعة. غير أننا سوف نكتفي بمثال ثان نقتطفه من ميدان التجريب على البشر. والمثال هو تجربة نورمان ماير NORMAN MAIER التي طلب فيها من المفحوصين الراشدين ربط حبلين يتدليان من نقطتين متباعدتين في سقف إحدى الغرف. ولما كان من الصعب على المفحوص أن يمسك بالحبلين معاً في وقت واحد، فإن تعليمات التجربة تسمح له بالاستعانة بكل ما يجده داخل الغرفة. وهكذا فإن الحل الأنسب والأسرع يكمن في استخدام جسم ثقيل نسبياً(كماشة مثلاً) وربطه في نهاية أحد الحبلين وتركه يتأرجح ليتمكن من الإمساك به بعد أن يكون قد أمسك بالحبل الآخر. ولإكساب المفحوصين الخبرة التي من شأنها أن تعينهم على الاستبصار بدأ كل من إيبي جدسون ABE JUDSON وتشارلز كوفر CHARLES COFER وسيدني جلفاند SIDNEY GELFAND –كمرحلة أولى- بتعليم مفحوصيهم بعض الارتباطات الثنائية. فكانت الكلمة –المثير للجميع هي "حبل" والكلمة –الاستجابة بالنسبة للبعض هي "يتأرجح"، وبالنسبة للبعض الآخر "قنب". وبعد تطبيق تجربة ماير تبين أن المفحوصين الذين ارتبطت لديهم كلمة "حبل" بكلمة "يتأرجح" أظهروا قدرة أكبر على اتباع الأسلوب الأمثل في حل المشكلة بالمقارنة
    مع زملائهم الذين ارتبطت لديهم كلمة "حبل" نفسها بكلمة "قنب"
    (مدنيك وآخرون، 1985، 28).
    ولعلنا نجد فيما ذكرناه مسوغاً منطقياً وكافياً للقول بأن احتجاج بافلوف الذي أكدت البحوث الميدانية شرعيته يتجاوز الحدود التقنية والإجرائية للبحث العلمي إلى الأسس التي صاغ عليها الغشتالتيون نظريتهم. فهو موجه، أولاً وأخيراً، إلى مفهوم الاستبصار الذي اعتبره هؤلاء الشرط الجوهري للتفكير الإبداعي ومدخله الوحيد. فقد ألح ورتايمر في أكثر من موضع على أن مهمة السيكولوجي هي إبراز الجانب النفسي من النشاط العقلي وليس الجانب المنطقي، واستعمل لهذا الغرض مصطلحات مثل "إعادة التنظيم" و "التصنيف" و "التمركز". على أن اللحظة الهامة في حديثه عن التفكير المبدع تبقى المعارضة الشديدة لأية محاولة تعطي لهذا التفكير بعداً زمنياً معيناً، أو تتلمس فيه أي أثر لخبرات الماضي. ويمدنا الرجوع إلى ما ذكرناه في الفصول الأخيرة بالخلفيات الحقيقية لموقف ورتايمر. ولا يطول بنا البحث كثيراً حتى نجد أن فهم ورتايمر وزملائه للوعي وطرحه للتفكير المبدع وما خلعه عليه من صفات جاءت لتناهض الفهم الاسترجاعي للتفكير الذي قدمه الارتباطيون والورتسبورغيون. والسؤال الذي يطرح هنا هو: إذا كان التفكير المبدع يتجسد في تكون صيغة نوعية جديدة أثناء النشاط الذهني بفضل الاستبصار، فكيف يحدث هذا الاستبصار؟ وما هي آلياته؟ والمقصود بذلك ليس الوصول إلى الحل على نحو فجائي، وإنما تفسير هذا الحدث. يكتفي الغشتالتيون في إجابتهم بالقول أن ذلك يتم على أساس استبصار الصيغة أو البنية في الموقف الإشكالي، معتمدين على الفلسفة الهوسرلية. ويوضح ك.دونكر هذا الأمر بقوله: "إن إجابتنا على المسألة الكونتية العامة تختلف بصورة مبدئية عن إجابة كونت، لأن القبلية التركيبية، طبقاً لفنومنولوجية هوسرل لا تستمد من النظام الذي يحمله العقل إلى الشيء، وإنما تستمد من جوهر هذا الشيء". وهذا يعني أن الجوهر، في رأي الغشتالتيين، هو الذي يكشف عن ذاته أثناء عملية المعرفة، وليست الذات العارفة هي التي تقوم بذلك. ولقد احتلت هذه الفكرة التي يقوم عليها المنهج الفنومنولوجي مكانة متميزة في تعاليم مدرسة، ورتسبورغ، حيث استخدمها ممثلو هذه المدرسة لإظهار أن المضمون العقلاني أو منطق الأفكار المحضة هو خاصية التفكير. بينما استخدمها الغشتالتيون للكشف عن آلية التفكير التي تمثلت عندهم في الاستبصار المباشر.
    وهكذا يدمج الغشتالتيون الجانب الأنتولوجي(الوجودي) بالجانب المعرفي، والواقع الخارجي بالنشاط العقلي عند الفرد. ويتبدى ذلك في الموضوع الفنومنولوجي الذي يجمع الذات والموضوع معاً. فلا وجود –بالنسبة لهم- لموضوع خارج الوعي، ولا لوعي منفصل عن الموضوع. ومن هذا المنطلق وجه كوفكا انتقاده إلى سيلز بسبب اعترافه بوجود ذات عارفة مستقلة عن موضوعات نشاطها المعرفي. وفي هذا الإطار عمل كوفكا على تطوير فكرة الموضوع الفنومنولوجي معتمداً على النتائج التي توصل إليها غرونباوم في بحثه لظاهرة "تجريد التشابه". وتقول إحدى هذه النتائج أن إدراك التشابه بين صورتين أو(شكلين) لا يستوجب إدراك ماهية هاتين الصورتين أو(الشكلين). ذلك لأن العلاقة بينهما تؤلف المضمون الحقيقي للتفكير. ولا داعي لإرجاعها إلى المضمون الحسي لتلك الأجزاء التي تتألف منها. ويعبر كوفكا عن هذه النتيجة بما ينسجم مع منطلقاته فيقول: إننا في البداية ندرك شكلين، ثم ندركهما كشكلين متساويين، أي أن هذين الشكلين مختلفان في الحالتين، وهذا صحيح فيما لو أشار إلى أن الاختلاف في الحالتين يكمن في أننا ندرك في الأولى شكلين لم نعرف بعد شيئاً عن خصائصهما، وفي الثانية نقف على مساواتهما. غير أن المهم بالنسبة لكوفكا ليس الشيء الذي نتعرف على خصائصه، وإنما ظهور تلك الخصائص في الوعي. فهو –في تصوره- مكافئ لظهور شيء جديد. وهذا هو الموضوع الفنومنولوجي: مطابقة الموضوع مع المضمون الحسي للوعي، وظهور مضمون جديد في الوعي يساوي أو يكافئ ظهور الموضوع.
    إن الغشتالتين حين يتناولون الجوهر مباشرة وفقاً للمنهج الفنومنولوجي يسقطون النشاط المعرفي للفرد من دائرة اهتمام علم النفس تماماً. وليس أدل على ذلك من طرحهم لمفهوم الاستبصار الذي يستبعد تدخل أي مستوى من مستويات دينامية العقل. وتوخياً للموضوعية في الحكم فإننا لا ننفي أو نتجاهل تلك الخصائص التي خلعوها على التفكير والذي أكسبوه من خلالها طابع العملية. ولكن علينا، في الوقت ذاته، أن نذكر بأن فهمهم لهذه الأخيرة لم يقمْ على أساس العلاقة الجدلية بين الذات والموضوع، بل كان على أساس أن الموضوع هو الذي يتكشف عن بنية جديدة بخصائص جديدة لدى دخوله في علاقات أو ارتباطات جديدة. وهذا التغير في الموضوع هو ما يحدد مجرى التفكير. فالحركة، إذن، هي حركة المضمون، أو لنقل حركة نتاج الفكر، وليست حركة الفكر ذاته.
    ويعتبر اهتمام الغشتالتيين بالاستبصار والتشديد على دوره الأساسي في النشاط العقلي، ولاسيما التفكير المبدع، كما هو الحال عند ورتايمر، تهميشاً لدور الفرد وما يمتلكه من معارف ويقوم به من عمليات، إنْ لم نقل إلغاء كاملاً له وهو، بالتالي، نفي للمحدد الاجتماعي للتفكير.
    إنهم باختصار، يرون أن مهمة علم النفس هي الدراسة المباشرة لتشكيلات الوعي(الصورة أو الشكل) عند الفرد دون التطرق إلى الأفعال التي تعد شرطاً ضرورياً لها. وقد يكون إحساسهم بقصورهم في هذا الجانب وراء محاكاتهم النموذج الفيزيائي في إعادة بناء علم النفس.
    وهذا ما نلمسه بوضوح عبر تتبع نشاطهم في هذا السبيل. فقد احتلت مسائل الكيمياء الفيزيائية موقعاً هاماً في أعمال كيولر. حيث خصص لها مؤلفاً كاملاً نشره عام 1920 تحت عنوان "الغشتالتات الفيزيائية في حالة السكون والثبات". كما تناولها ورتايمر في مقال له نشره عام 1923 بعنوان "دراسات ذات صلة بالغشتالت"، وكوفكا في كتابه "مبادئ علم نفس الغشتالت". فقد أجمعوا على أن من شأن هذا العمل أن يضفي الصبغة العلمية على نظريتهم. ومن هنا يأتي تصورهم حول شمولية مبدأ الغشتالت وإمكانية تطبيقه على مختلف الظواهر، وبالتالي، حل القضية السيكولوجية من منظور انتماء الوعي إلى العالم الفيزيائي. ولكن ذلك لم يمنعهم من الإشارة إلى الخصوصية التي يتمتع بها الوعي كما قلنا من قبل. وللجمع بين شمولية الغشتالتات الفيزيائية وخصوصية الوعي كشكل لهذه الغشتالتات أو مجال من مجالات تجسدها اقترح الغشتالتيون أحد المفاهيم الرياضية، وهو التقابلية أو التشاكلية ISOMORPHISME.
    ويدل مفهوم التشاكلية على وجود نظام واحد يربط العناصر وعلاقاتها داخل مجموعة أو نسق ما بالعناصر وعلاقاتها في مجموعة أو نسق آخر. ووفقاً لهذه الفرضية الغشتالية فإن النسق الفيزيولوجي والنسق السيكولوجي يتشاكلان بعضهما مع بعض. وتلك لحظة في النظرية الغشتالتية تعيدنا مرة أخرى إلى السؤال عن كيفية نشوء الاستبصار. وفي هذه المرة أيضاً لا نجد إلا كلاماً عن الصيغ الإجمالية أو الكليات. فالغشتالتي –فيما يبدو- لا يلزم نفسه على الإجابة على مثل هذا التساؤل، ويعارض أي كلام عن دور الخبرة الماضية والعمليات النفسية التي تجري داخل الفرد في التوصل إلى الغشتالتات الجديدة. وعلى المستوى الفيزيولوجي فإنه يعتقد أن ما يحدث خلال عمليتي الإدراك والتفكير ماهو إلا نزعة طبيعية تمثل الدينامية الداخلية للدماغ. وهذه الدينامية ليست، في نظره، مما يتطور تحت تأثير التربية والتعليم أو النشاط، بل هي فطرية لدى الإنسان والحيوان على حد سواء، مثلها في ذلك، مثل الغشتالت النفسي.
    لقد سار علماء النفس على نهج ابن الهيثم وهيلمهولتز في تفسير الإدراك الإنساني للموضوعات الخارجية وأرجعوا ظاهرة ثبات الموضوع لدى رؤيتنا له من مختلف الأبعاد والزوايا إلى الخبرة التي تتزود بها العين في مجرى النشاط الحياتي. ووقف الكثير منهم على الفروق النوعية بين الإنسان والحيوان في القدرات الإدراكية. ومع أن بعض الحيوانات يتمتع بإمكانية كبيرة على بعض أنواع الإدراك الحسي(حاسة الشم القوية عند الكلب، حدة البصر عند النسر... الخ)، إلا أن ملاحظة هؤلاء أظهرت التفوق النوعي للإنسان على سائر الحيوانات في مجال الإدراك. فما يدركه بنو البشر في الموضوعات(لوحة فنية، لحن موسيقي، كلام... الخ). يجعل إدراكهم أكثر شمولية وعمقاً ودقة. وبينت تجاربهم كذلك العلاقة المباشرة للإدراك بالنشاط الذي يمارسه الفرد وبالتربية التي يتلقاها(زاباروجيتس وآخرون، 1967).
    ولكن الغشتالتيين يرتابون في صحة مثل هذه الحقائق التجريبية والحياتية، ويرفضون التفسيرات التي تمنح الجهاز العصبي وأعضاء الحس القدرة على تعلم وتحليل الوضعيات المختلفة وتركيبها، وإصدار القرارات والأحكام المناسبة بصددها. وينظرون إلى الدماغ كجزء من الموقف الكلي يتأثر بالأجزاء الأخرى.
    وعلى هذا الأساس يقيم الغشتالتيون تفسيرهم لمعطيات سلسلة أخرى من التجارب التي أجروها في العشرية الثالثة، وكان الإدراك(البصري خاصة) موضوعاً رئيسياً لها. وسعوا من خلالها إلى تحديد قوانين الغشتالت*. ومنها قانون "الصورة والخلفية" المعروف وقانون "استبدال الوضع" TRANSPOSITION الذي يتضمن الاستجابة على علاقات المثيرات، وليس على المثيرات بحد ذاتها. ويوضح الغشتالتيون هذا القانون بتجربة أجريت على الدجاج. فبعد أن درب كيولر مجموعة من الدجاج على التمييز بين علبتين متجاورتين صبغتا بلونين رماديين، الأول فاتح، والثاني داكن عن طريق حصولها المتكرر على الطعام من العلبة ذات اللون الرمادي الداكن، رفع العلبة الأولى واستبدلها بعلبة أخرى أدكن من الثانية. ولاحظ أن الدجاج كان يختار العلبة الثالثة الجديدة على الرغم من أن استجابته هذه لم تعزز من قبل بالمرة. وهذا يعني أن الحيوان لم يستجب إلى اللون بصورة مطلقة، وإنما إلى العلاقة بين الألوان(إلى اللون والأدكن).
    ويتحدث الغشتالتيون أيضاً عن قانون الشكل الحسن، أي حضور الشكل المميز بين جملة من الأشكال الممكنة في الوعي. ويعكس هذا القانون نزعة الموضوع المدرك لأن يتخذ شكلاً أحسن. وهناك قانون آخر يدعى "ثبات CONSTANTE الشكل" يفسر بقاء أشكال الأشياء على حالها بصرف النظر عما يطرأ على ظروف إدراكها من تغيرات. ويضيف الغشتالتيون "قانون التقريب" الذي يجسد عندهم، نزعة الفرد إلى توحيد الأشياء والموضوعات المتجاورة في الزمان والمكان، وكذا "قانون الإغلاق" الذي يكتسي أهمية خاصة في نظرهم. فهو يؤلف محاولة لتفسير نزعة الفرد إلى سد الثغرات في موضوعات إدراكاته، والربط يبن أجزائه المتباعدة وتوحيدها في صيغة واحدة.
    ومجمل ما عناه الغشتالتيون بهذه القوانين هو أن الفرد ينزع إلى إدراك الأشياء بصورة كلية ومتوازنة وحسنة بفعل العمليات الفيزيولوجية الفطرية التي يقوم بها الدماغ. فالصورة ندركها كاملة ولو تخلّلتها فجوات أو ثغرات أو حتى إذا كانت مجرد خطوط متقطعة. كما ننزع إلى الربط(الإغلاق) بين النقاط الموجودة أمامنا على الورقة وإدراكها كشكل هندسي. ونؤلف بين الأشياء القريبة بعضها إلى بعض في صورة كلية.
    ولا تكتفي الغشتالتية بتطبيق هذه القوانين على الإدراك البصري فحسب، بل ترى أنها تصلح لتفسير الأنواع الأخرى من الإدراك والعمليات النفسية العليا كالتفكير والتذكّر. وما التجارب التي أجراها وولف، أحد أتباع هذه النظرية، عام 1922 سوى محاولة لتعميم قوانين الإدراك على الاسترجاع والنسيان. فقد عرض هذا الباحث على مفحوصيه عدداً من الأشكال البسيطة، غير المألوفة، وطلب من

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 19, 2018 10:45 pm